السيد محمد حسين فضل الله
10
من وحي القرآن
يخضع لحدود معينة ، وضوابط محدّدة ، تحدّد له الخطوط التي يتحرك فيها ، بل كانت مستمدة من طبيعة خلقه وإيجاده ، فهو الذي أعطاها سرّ الوجود وملامحه التفصيلية ، مما جعل كل شيء فيها بيده ، وبذلك فإنه الذي يعلم كل ما يتعلق بها ويشرف على تحريكه من أكثر من موقع ، وتلك هي العقيدة المنفتحة على كل فروعها من نفي الولد ، ونفي الشريك ، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً لأن الولد مظهر حاجة للاستعانة به على مواقع الضعف ، وللامتداد من خلاله في الحياة من بعده . واللّه هو الذي يملك القوّة كلها في الكون ، فأيّ حاجة به إلى معين ، وهو الحيّ الدائم الذي لا زوال له ، فأيّ حاجة به إلى امتداد للحياة بغيره ؟ ! وليس لفكرة الولد بالمعنى المادي ، أو الروحي ، إلّا الوهم الذي لا يستوعب فيه الإنسان عظمة خلق اللّه ، من خلال ما أراد اللّه أن يلبسهم من نعمه وفضله ، فلا يفكر أنها هبة من اللّه لعبده ، كما يهبه الوجود ، بل يحاول أن يتخيّل أن ذلك دليل ارتباط عضويّ باللّه وانتساب إليه ، تماما كما هي الأوهام التي يصنعها الناس لبعض مخلوقات اللّه ، في ما يتخيلونه لها من أسرار غامضة ، وقداسة خفية ، فيمنحونها صفة إله ، من دون أيّ أساس لذلك كله في الملامح الذاتية لها ، في ما يمثله مظهر وجودها بكل تفاصيله . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ يساويه ويعاونه ، أو يضادّه ، فلا شيء لأحد معه ، فهو الذي يملك السماوات والأرض وما فيهن وما فوقهن وما بينهن وما تحتهن ، فكل موجود مخلوق له ومحتاج إليه في استمرار وجوده بكل دقائقه وخصائصه ، فكيف يمكن أن يكون شريكا له ، وكيف يمكن للمخلوق أن يرتفع إلى مستوى الخالق ، أو يأخذ بعض خصائصه ، وهل يمكن أن تجتمع في شخص واحد ، الحاجة المطلقة إلى كل شيء ، في ما يمثله معنى المخلوق ، والغنى المطلق عن كل شيء في ما يمثله معنى الخالق والإله ؟ !